الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واختيار فعل : ذَرَأَ هنا لأنّه الّذي يدلّ على المعنى المراد ، إذ المقصود بيان شرائعهم الفاسدة في نتائج أموالهم . ثمّ سيبيّن شرعهم في أصول أموالهم في قوله : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [ الأنعام : 138 ] الآية . و مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ بيان ما الموصولة . والحرث مراد به الزّرع والشّجر ، وهو في الأصل من إطلاق المصدر على اسم المفعول ، ثمّ شاع ذلك الإطلاق حتّى صار الحرث حقيقة عرفية في الجنّات والمزارع ، قال تعالى : أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ [ القلم : 22 ] . والنّصيب : الحظ والقسم وتقدّم في قوله تعالى : أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا في سورة البقرة [ 202 ] ، والتّقدير : جعلوا للّه نصيبا ولغيره نصيبا آخر ، وفهم من السّياق أنّ النّصيب الآخر لآلهتهم . وقد أفصح عنه في التّفريع بقوله : فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا . والإشارتان إلى النّصيب المعيّن للّه والنّصيب المعيّن للشركاء ، واسما الإشارة مشار بكلّ واحد منهما إلى أحد النّصيبين على الإجمال إذ لا غرض في المقام في تعيين ما جعلوه للّه وما جعلوه لشركائهم . والزّعم : الاعتقاد الفاسد ، أو القريب من الخطأ ، كما تقدّم عند قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ في سورة النساء [ 60 ] ، وهو مثلّث الزاي ، والمشهور فيه فتح الزاي ، ومثله الرّغم بالرّاء مثلّث الراء . وقرأ الجمهور - بفتح الزاي - وقرأه الكسائي - بضمّ الزاي - ويتعلّق قولهم : بِزَعْمِهِمْ ب فَقالُوا وجعل قوله : بِزَعْمِهِمْ مواليا لبعض مقول القول ليكون متّصلا بما جعلوه للّه فيرتّب التّعجيب من حكمهم بأنّ ما كان للّه يصل إلى شركائهم ، أي ما اكتفوا بزعمهم الباطل حتّى نكلوا عنه وأشركوا شركاؤهم فيما جعلوه للّه بزعمهم . والباء الداخلة على بِزَعْمِهِمْ إمّا بمعنى مِنَ أي ، قالوا ذلك بألسنتهم ، وأعلنوا به قولا ناشئا عن الزعم ، أي الاعتقاد الباطل ، وإمّا للسببيّة ، أي قالوا ذلك بسبب أنّهم زعموا . ومحلّ الزّعم هو ما اقتضته القسمة بين اللّه وبين الآلهة ، وإلّا فإنّ القول بأنّه ملك للّه قول حقّ ، لكنّهم لما قالوه على معنى تعيين حقّ اللّه في ذلك النّصيب دون نصيب آخر . كان قولهم زعما باطلا .